عظماء من لبنان

 

رؤساء الحكومة
في الجمهورية اللبنانية

دولة الرئيس رفيق الحريري
Prime Minister Rafik Al Hariri

دولة الرئيس نجيب ميقاتي
Prime Minister Najib

دولة الرئيس الشيخ سعد الحريري
Prime Minister Saad Al Hariri

Mikati

دولة الرئيس عصام فارس
Prime Minister Issam Faris

دولة الرئيس ميشال المر
Prime Minister Michel el-Murr

دولة الرئيس الياس المر
Prime Minister Elias el-Murr

دولة الرئيس رياض الصلح
Prime Minister Riad el-Solh

دولة الرئيس سليم الحص
Prime Minister Selim al-Hoss

دولة الرئيس ميشال عون
Prime Minister Michel Aoun

دولة الرئيس سامي الصلح
Prime Minister Sami el-Solh

دولة الرئيس رشيد الصلح
Prime Minister Rashid el-Solh

دولة الرئيس تقي الدين الصلح
Prime Minister Takieddin el-Solh

دوة الرئيس شفيق الوزّان
Prime Minister Shafik Wazzan

دولة الرئيس رشيد كرامي
Prime Minister Rachid Karami

دولة الرئيس عمر كرامي
Prime Minister Omar Karami

دولة الرئيس صائب سلام
Prime Minister Saeb Salam

دولة الرئيس امين الحافظ
Prime Minister Amine El Hafez

دولة الرئيس فؤاد السنيورة
Prime Minister Fouad Al Saniora

 

 

 

سيادة المطران  غـريـغوار حداد

Gregoire Haddad

 

السيرة الذاتية

ولد نخلة أمين حداد عام 1924 في سوق الغرب من:
والده أمين نخلة حداد ( إنجيلي )، والدته ماتيلد نوفل ( روم كاثوليك )
عام 1934 – 1936  درس الابتدائية في "مدرسة سوق الغرب العالية"

عام 1936 – 1937 نال شهادة السرتيفيكا في "مدرسة النهضة"- بمكين قرب سوق الغرب التابعة لدير الشير (الرهبانية الباسيلية الحلبية للروم الكاثوليك).

عام 1937- 1943  درس تكميلية وثانوية في الإكليركية الشرقية التي كانت تابعة للآباء اليسوعيين في بيروت-شهادة البكالوريا- القسم الثاني.

عام 1943 – 1949 درس الفلسفة واللاهوت في الإكليركية ذاتها.

عندما سيم كاهناً اتخذ اسم غريغوار تيمناً بالبطريرك غريغوريوس حداد الذي ترأس كنيسة انطاكيا، اليونانية الارثوذكسية، من سنة 1906 حتى سنة،1923 وذلك لإعجاب والده بذاك البطريرك المتزهد والعلاّمة، صديق اهل المعرفة، وصديق الاسلام، ذاك القومي العربي الذي وزّع خيرات الكنيسة، إبان المجاعة، للفقراء المسيحيين والمسلمين على السواء.

سيم كاهناً سنة 1949 بعدما درس اللاهوت في جامعة القديس يوسف للآباء اليسوعيين في بيروت، وبعد ثلاث سنوات عُيّن نائباً عاماً على ابرشية بيروت للروم الكاثوليك. رسم اسقفاً سنة 1965 فقام بمهمته اولاً كأسقف معاون للمطران فيليبس نبعه الذي اسند اليه مسؤولية خدمة ابرشية بيروت إبان مرضه. وبعد ثلاث سنوات توفي المطران فيلبس نبعه فانتخب السينودس غريغوار حداد مطراناً اصيلاً.

ومنذ ذلك الحين، أخذ البعض يتململون من بساطته وفقره وافتقاره الى مظهر الأبهة، ومن انه لا "يمثّل" خير تمثيل مركز مطران يترأس اكبر ابرشية للروم الكاثوليك في البلاد العربية واهمها، عددياً واقتصادياً. والأب غريغوار حداد (هكذا رغب في ان يدعوه الناس) كان واحداً من المطارنة الذين وقّعوا وثيقة يتعهدون فيها ممارسة الفقر في حياتهم الشخصية، وقد صدرت تلك الوثيقة في الدورة الاخيرة للمجمع الفاتيكاني الثاني عام.1965

لم يكثر من الكتابة، ولا رغب في الرحلات الى خارج لبنان الذي يعرف عن ظهر قلب مناطقه الاكثر حرماناً.

في داخله قوة روحية لا تتجلى من دون ابتسامة ولا تعمل الا بتحفظ شديد وحشمة لا تفارقها الدعابة، فاذا هو قريب من الناس، مع احتفاظه باستقلال ذاتي يبلغ حد العزلة احياناً.

اما عظاته فيلقيها بلغة عربية يستوعبها الجميع، فهي تحمل سامعيه على التفكير، من دون ان تثير فيهم غوغائية الجماهير.

منفتح دائماً على الحوار، مستعد للاصغاء، من دون ان يفقد مثابرته العنيدة على اتمام رسالته. وإنك لتراه يعمل بنشاط بالغ من دون اي انهماك او ارتباك.

رجل بلا قناع، لا يتردد في الافصاح عن معاناته الداخلية، لانه لا يعيش لذاته. رجل يعرف ماذا يريد، وفي تعبير آخر، يعرف ما يريد منه الله.

على صعيد العمل الاجتماعي والراعوي

في العام 1957 أسس "الحركة الاجتماعية"، التي حازت الرخصة في العام.1961 وتألفت لجنة التأسيس من ستة شبان وشابات ينتمون الى الطوائف المسيحية والاسلامية الكبرى في لبنان. الحركة الاجتماعية منظمة غير حكومية، طوعية، لا حزبية، لاعقائدية، ولا تدّعي التمنين بالاحسان. هي حركة تفكير وعمل جماعي علمي يلتزم التنمية الاجتماعية الاقتصادية. حركة ذات دوافع ذاتية، متكاملة، مصممة لخلق انسان اكثر انسانية ومجتمع اكثر انسانوية.

تعمل الحركة في ضوء الدراسات والابحاث في الحقول الاجتماعية (الصحة، التربية، الثقافة، الترفيه التربوي، الاستشارات القانونية، تسلّم دعاوى المحتاجين، مكاتب التوظيف للعاطلين عن العمل، بيوت رعاية الاطفال لدى خروج امهاتهم للعمل، المساكن الشعبية...) كما انها تعمل بالتنسيق مع الدوائر الحكومية، واخيراً تسعى بعمل جماعي متكامل الى تحقيق العدالة الاجتماعية.

اتهمت بعض الاوساط الحكومية هذه الحركة بأنها تريد خلق دولة ضمن الدولة، كما سمّاها اليسار حركة اصلاحية فأخذ عليها أنها تصرف الشبيبة عن العمل السياسي، او تمتص النقمة الشعبية.

ولربما كان عمل غريغوار حداد في الحقل الاجتماعي، وراء اطلاق الناس عليه اسم "المطران الاحمر" وايضاً "مطران الفقراء".

اذاً، عندما تمارَس المحبة على مستويات يكون فيها المطران مسؤولاً، فلا يمكن ان تنتهي عند حدود الابرشية وآفاقها الضيقة، وخصوصاً في بلد متعدد العقيدة والثقافة والنمط الحياتي، وفي بلد حيث الطوائف تريد، مع محافظة كل منها على ميزاتها الخاصة، ان تتخطى الفروقات التي قد تكون عائقاً في سبيل الوصول الى تناغم فريد ونادر.

لقد كان الامر واضحاً منذ البداية: لم يكن متوقعاً من المطران غريغوار حداد ان يقتصر نشاطه على ادارة املاك الابرشية ولا ان ينحصر نضاله في حماية حقوق طائفته وحسب، ولا ان يحوط نفسه بمسيحيين متصامين عن سماع نداء العالم.

لكن اهتمام الأب غريغوار بمجمل القضايا الوطنية لم يمنعه من العمل الحثيث على اصلاح احوال الابرشية اصلاحاً جذرياً، هذه الابرشية التي تضم عشر رعايا في بيروت وعشراً في ضواحي بيروت وعشرين في جبل لبنان.

وكان سلفه المطران فيلبس نبعه حاول ان يحد من تباعد الفروقات بين دخل الكهنة، الذي يراوح بين 1500 ليرة و150 ليرة شهرياً، بحسب اختلاف المراكز الراعوية، فوضع المطران غريغوار تنظيماً مالياً جديداً تشترك في تمويله العائلات بحسب امكانات كل منها، فتصير جميع الخدمات الدينية، من عمادات وزواجات وجنازات، مجانية، على ان يتقاضى كل من المطران والكهنة رواتب متساوية من الصندوق العام. وكذلك طبقت مبادئ العدالة الاجتماعية على العمال العلمانيين المشتغلين في الابرشيات. وهكذا مكّن العائلات التي كانت تعمل لسنوات طويلة في اراضي الوقف من ان تستملك تلك الاراضي. فعلى هذه الاسس سار العمل الرسولي من دون ان يتعثّر بالمشاكل المالية. اذ انه أقام الحوار ونشّطه في كل المستويات فألّف مجلس الكهنة، والمجلس الرعوي الذي يضم عناصر من العلمانيين والرهبان والراهبات والكهنة وممثلين عن المجالس الرعوية، كما اسس لجنة الطقوس الكنسية ولجنة الوعظ واللجنة المدرسية واللجنة الاجتماعية. وبهذا طبّق غريغوار حداد أحد توجيهات المجمع الفاتيكاني الثاني الذي يدعو الى إشراك العلمانيين في ادارة الكنيسة.

على صعيد الفكر

بعد مرور 25 سنة من الخدمة، بقي الأب غريغوار محافظاً على التزامه البديهي الاساسي، فهو يعتبر ان من واجبه مضاعفة الجهود الرعوية من اجل من هم في الخارج، اولئك الذين ما زالوا يذهبون الى الكنيسة ولو بدون ايمان، واولئك الذين أهملوا كل شيء: الممارسات الدينية، الايمان بالمسيح، الايمان بالله... فالحركة الاجتماعية لم تكن كافية للتدليل على شدة اهتمامه بكل الانسان لأن مجال عملها لا يطاول الامور الدينية.

هنا قرّر غريغوار حداد تأسيس مجلة "آفاق" مع صديقين له هما بولس الخوري وجيروم شاهين الذي ترأس تحريرها، وباشتراك عدد كبير من المثقفين اللبنانيين كمستشاري تحرير. توخت المجلة ان تكون مستقلة وتعددية تريد مخاطبة شبيبة هذه البلاد، وفي نوع خاص المسيحيين النقديين، والذين خلعوا عنهم المسيحية، وحتى غير المسيحيين وغير المؤمنين.

لكن التعددية والانفتاح على الحوار فيها لا يعنينان مطلقا الحياد "الموضوعي" اللاسياسي. فالحياد الموضوعي اللاسياسي في الكنيسة وفي مجتمع تمزقه التناقضات ما هو  سوى موقف مقنّع يخفي وراءه دائما التزاماً معيناً.

لقد اتخذت "آفاق" موقفها بمساندة المسحوقين، واعلنت التزامها السير نحو التحرير. ولها نظرة مستقبلية تستشرف نهضة اصيلة في المسيحية العربية وفي التطورات الاجتماعية والسياسية والثقافية. بهذا الالتزام تصبح التعددية ذات معنى، واي مفهوم آخر لتعددية "آفاق" ليس سوى هزال وانهزامية ووهم سراب.

واذا بكتابات الاب غريغوار تُدخل على المجلة عنصرا جديدا يختلف عن كل ما في غيرها من المجلات. ولم يسلك غريغوار حداد بمقالاته في اللاهوت الاكاديمي، بل خاض لاهوتا يتجاوب مع مقتضيات الواقع الاجتماعي والسياسي ومع ازمة الشبيبة في تحديد هويتها ورفضها وحيرتها او لامبالاتها.

تعرضت مقالاته لانتقادات عنيفة من اولئك الذين لم يمكّنهم عقلهم من السلوك في منظور الكاتب وادراك اسلوبه، فدخلوا معه في مجابهة لم تقتصر على الروم الكاثوليك وحدهم بل تناولت المسيحيين في لبنان وفي الخارج.

عندئذ هب الكثير من المؤمنين، ناهضين من غفوتهم، واعين مهامهم وموقعهم في الكنيسة، فانجلت لهم خطورة الموقف ولو في درجات متفاوتة، وحفزتهم "قضية" غريغوار حداد على اتخاذ مواقف معينة منها.

لم يكن قد صدر من مجلة "آفاق" سوى ستة اعداد، ومع ذلك نشأت ازمة في الكنيسة وبالتحديد في كنيسة الروم الكاثوليك، من جراء المقالات الستّ التي كتبها المطران غريغوار حداد في المجلة. لن ادخل هنا في تفاصيل ما جرى، فالمسألة يطول شرحها وليس من مجال للاطالة. فلكي لا اسيء الى احد اذكر فقط ما انتهت اليه القضية تاركا لمن يريد الاطلاع على التفاصيل مراجعة العدد الخاص من مجلة "آفاق" رقم 13/14 الصادر في العام 1975 الذي خصص بكامله لهذا الموضوع.

تاليا اقول: اعتبر البطريرك (الراحل) مكسيموس الخامس حكيم ان كتابات المطران غريغوار حداد في "آفاق" تتناقض مع العقيدة الكاثوليكية. وتم بحث هذا الامر في سينودس مطارنة الروم الكاثوليك في ثلاث دورات انعقد فيها، الاولى استثنائية (في ايار 1974) والثانية عادية (في آب 1974) والثالثة استثنائية (في 24 كانون الثاني 1975).

كلّف السينودس لجنة مؤلفة من خمسة لاهوتيين دراسة الجوانب الايمانية والعقائدية في كتابات المطران حداد. قدمت اللجنة المذكورة تقريرها الى السينودس. واحد من اعضاء اللجنة فقط رأى في كتابات المطران حداد خروجا على المعتقد الكاثوليكي الرسمي. اما الاعضاء الاربعة الباقون فأشاروا الى وجود بعض الالتباسات في التعابير اللفظية فقط، لكنهم اكدوا كلهم بالحرف الواحد ما يأتي: "هناك نقطة نتفق عليها جميعا وهي اننا لا نجد ما يبرر حكما من قبل السينودس المقدس. ولا نريد اطلاقا ان تستعمل اسماؤنا وآراؤنا لصياغة مثل هذا الحكم".

في هذه الاثناء كانت القضية قد رفعت الى السلطة الفاتيكانية. الا ان البطريرك حكيم كفّ يد اسقف بيروت المطران حداد عن ادارة ابرشيته مدة شهرين، ثم مدّد تعليق صلاحياته، ثم تم اتفاق بأن يعود المطران غريغوار الى ابرشيته في السادس من شباط 1975 في ابعد حد. وفي الموعد المحدد اعلن البطريرك انه تلقى من المجمع الشرقي رسالة تدعو الى تمديد فترة تعليق صلاحية المطران غريغوار حداد الى ان يبت مجمع العقيدة والايمان نهائيا الموضوع.

في هذه الاثناء ايضا كانت الصحافة تتناول القضية باهتمام كبير، كما ان لجانا تألفت من علمانيين وكهنة، لمساندة قضية المطران حداد وقامت مسيرات شعبية الى دار البطريركية وجرت اعتصامات، من دون حدوث اي اعمال عنف او إخلال بالأمن.

استدعي المطران حداد الى الفاتيكان ومثل امام اللجنة المختصة وجاء قرار اللجنة يؤكد ان كتابات المطران غريغوار حداد لا تخرج اطلاقا على العقيدة الكاثوليكية.

رغم ذلك اتخذ سينودس كنيسة الروم الكاثوليك قرارا اداريا بنقل المطران غريغوار حداد من ابرشية بيروت للروم الكاثوليك، مسندا اليه منصب مطران فخري على ابرشية أضنة في تركيا.

حينذاك تفرغ غريغوار حداد  كليا للعمل الاجتماعي، وفي الاخص لضمد جروحات اللبنانيين كافة التي كانت الحرب اللبنانية آنذاك تستنزفها. وكانت كنيسته تلجأ اليه في مهمات صعبة (كرئاسة ابرشية بعلبك في العام 1977 ثم رئاسة ابرشية صور في العام 1988 اثناء شغورهما) وحجب دخان الحرب صدور "آفاق" الى ان عادت عام،1987 ثم توقفت لتعود في شكل منتظم في العام.1998

على صعيد الحوار الاسلامي - المسيحي والعيش المشترك

من اهتمامات غريغوار حداد الاساسية، فكرا وممارسة، اقامة الحوار الاسلامي - المسيحي في سبيل انماء العيش المشترك وتعميقه. في الستينات والسنوات الاولى من السبعينات عمل المطران حداد في مسألة الحوار الاسلامي - المسيحي، على خطين: عمليا، بتعميق الحوار الحياتي، لاسيما في اوساط الشبيبة عبر العمل الاجتماعي المشترك. وفكريا، بمحاولة الوصول الى قواسم مشتركة (ويسمّيها هو جوامع مشتركة) على صعيد الفكر اللاهوتي.

الا انه ما لبث ان تحقق من لاجدوى الحوار الاسلامي - المسيحي على الصعيد اللاهوتي والعقائدي. كما وجد ان الحوار الممارَس في لبنان غالبا ما يكون حوار طوائف، وحوار صالونات، واحيانا رياء متبادلا.

لذلك انكبّ على القيام بنشاطات عديدة تجمع الشبيبة، من الدينين ومن مختلف الطوائف، لتقوم بمشاريع اجتماعية وبيئية وصحية وثقافية مشتركة. وهكذا يتم التعارف المتبادل وتصحَّح الصور المشوهة، وتزول الاحكام المسبقة.

الى هذا يدأب المطران حداد اليوم على صياغة ما يجمع المسيحيين والمسلمين على صعيد الروحانية والاخلاقيات والقيم. ولا ينفك ينادي بأن المرض الذي يتفشى في المجتمع اللبناني التعددي، ويمزق نسيج الوحدة الوطنية هو الطائفية. من هنا جاءت دعوته الى العلمانية. لكنه يردد باستمرار ان العلمانية المرتجاة ليست علمانية بعض الدول الغربية، في بعض حقباتها التاريخية، وهي علمانية إلحادية، بل علمانية نصوغها نحن بمقتضى اوضاعنا الاجتماعية والسياسية والثقافية ونجعلها صيغة لا تلغي الطوائف بل تتبنى المواطنة الواحدة المؤسسة على المساواة والعدل والحرية، وذلك لخدمة الدين وخدمة للانسان، "كل انسان وكل الانسان"، وفق قوله الشهير.  

بعد نصف قرن

هكذا تجلت حتى اليوم "ظاهرة غريغوار حداد".

ففي منظور قراءة "علامات الازمنة"، ايّ عِبَر يمكن ان نستخلصها من تلك الظاهرة؟

1- لربما جاءت بعض اقوال غريغوار حداد وتأويلاته في غير مكانها وفي غير وقتها، علما ان معظم تلك الاقوال والتأويلات لم يبتدعها بنفسه بل قطفها من اغصان شجرة المعرفة المتطورة والتي لها منابت عديدة غير محرمة في الكنيسة الجامعة. لكن، هل يستوجب هذا الامر تحريم القائل بها الى حد رفضه هو، برفض افكاره واقصائه وتعنيفه حتى حدود الالغاء؟

يقول السيد المسيح: "من ثمارهم تعرفونهم". لم تأت شهادة واحدة تقول انه ابعد احدا عن عبادة الله ومحبة المسيح والناس. فلماذا يحاول البعض ان يجبره على كمّ فمه وان يكفّره؟ فمن منطلق مبدأ الحرية المسؤولة في التعبير، له الحق في ان يعبّر عن آرائه، كما لغيره الحق ان يعبّر عن آرائه. ولتُفتح الابواب امام الحوار. الحوار الهادئ والصادق والمحترم للآخر. اما من يرفض مثل هذا الحوار فليرفضه لنفسه ولا يمنعه عن الآخرين.

2- من ثوابت ظاهرة غريغوار حداد - منذ بدايتها حتى يومنا - ان هناك اناسا، افرادا وجماعات، لا يرون اي مصلحة ذاتية في تغيير الاوضاع القائمة، وعلى جميع المستويات. ويتذرع هؤلاء بالدين والتديّن والاصالة والتراث وصيغة التعايش ليبقوا وطننا وابناءه في اوهام التعايش الكاذب في واقع التشرذم والانقسام والطائفية (وهي غير الطوائفية) حتى حدود الاستسلام الكلي للامر الواقع.

3- كأنما لم نقع في افخاخ حرب اهلية ذقنا مرّها ولم نتعلم الكثير من امثولاتها بعدما حلّت عنا. وحين نقول ذلك لا نكون مفرطين في التشاؤم. والبرهان على ما نقول هو ان "قضية غريغوار حداد" في العام 1975 - كما سُمّيت آنذاك - جرت وقائعها على ارض اجتماعية شعبية اكثر انفتاحا وتسامحا مما هي الحال في قضية غريغوار حداد الثانية التي عشناها في 14 حزيران الجاري وما قبله بقليل.

نحن اذاً، اليوم، اكثر تطيفا وانعزالا واقل قبولا للآخر وللرأي الآخر مما كنا عليه عشية الحرب اللبنانية في العام.1975

4- حادثة 14 حزيران لم تفتعلها وسائل الاعلام ولم تضخمها كما ادعى البعض. بل ان وسائل الاعلام تصرفت بحكمة ومسؤولية مع مراعاة القيام بمهماتها. وكذلك تصرف جميع الافرقاء، والحمد لله. لكن الحدث لم يكن هامشيا ولا عرضيا، ولربما ايضا لا فرديا. لذا هو يستحق ان نتوقف عنده تحليلا وتفكيرا ومراجعة ضمير ومحاسبة وتخطيطا للمستقبل يمنع من ان يتكرر هذا الحادث في صيغة او أخرى.  

5- المسائل الاساسية التي يطرحها هذا الحادث عديدة اعدد - تعدادا فقط - بعضا منها:

- متى نكف عن تنشئة اولادنا (مباشرة او في شكل غير مباشر، قصداً او في غير قصد) على الطائفية، ذهنية وروحا وقيما وصورا ومشاعر وصيغة ومسلكيات؟

- كيف نتجذر اكثر فأكثر في الاصالة والاصول، ولا نتغرب ثقافة ودينا، في "الاصولية" التي لا تتفق مع جوهر المسيحية ولا مع جوهر الاسلام؟

- كيف نتخطى كمسيحيين، هواجسنا ومخاوفنا، فنكف عن السلوك انطلاقا من مقولتي "الاقلية" و"الاكثرية"، ومن احتمال العودة الى انظومة "اهل الذمة" ونكف عن اللجوء الى الهرب في شتى اشكاله: الهرب في الجغرافيا والتاريخ، الهرب عزوفا وانعزالاً وتقوقعاً، الهرب الى الامام والى الوراء. بل نلتزم كليا، ومع جميع ابناء وطننا، تقويم حاضرنا وبناء مستقبلنا على قاعدة المواطنة الواحدة في المساواة بالحقوق والواجبات.

آنذاك لن تعود قضية او ظاهرة تسمّى باسم غريغوار حداد بل تصبح لجميع اللبنانيين قضية واحدة، اسمها العبور الفصحي، العبور من الظلمة الى النور ومن الموت الى الحياة.

 

 

 

من هو المطران غريغوار حداد

يشكل المطران غريغوار حداد منذ اكثر من نصف قرن "ظاهرة" متجددة في المجتمع اللبناني، تضاربت حولها الآراء: من مؤيد لها الى معارض، ومن لا مبال بها الى متردد في اتخاذ موقف منها. وعلى الرغم من ان هذه الظاهرة مرّت بمراحل تردد فيها اسم صانعها على كل شفة ولسان، وتناولتها وسائل الاعلام في شكل مميز جداً، فقد بقي الكثير من الغموض يكتنف معالمها.

فلو طرحتَ على الناس السؤال الآتي: مَن هو غريغوار حداد؟

لحصدت عدداً من الاجابات، متناقضة ومبهمة وناقصة وصحيحة بعض الشيء ومغلوطة بعض الشيء. كأن تسمع هذا او ذاك يقول عنه: مطران، رجل دين، مصلح اجتماعي، أسقف محروم، شيوعي، صاحب مشاكل مع طائفته، قديس، متجرد، المطران الاحمر، مطران الفقراء، المطران "الأبونا"، والى ما هنالك من تسميات واحكام واوصاف.

اليوم، وبعدما ازدادت "نجومية" غريغوار حداد وهجاً اثر حادث الاعتداء الذي تعرض له، مساء الجمعة في 14 حزيران الجاري امام مبنى تلفزيون "تيلي لوميار"، على يد شاب مسيحي متعصب لدينه أراد ان يعاقب المطران "المحروم" - على حد قول المعتدي - وعلى الرغم من السباقات الصحافية التي تبارت فيها وسائل الاعلام لتغطية اخبار الحادث واسبابه وذيوله، يبقى جهل كبير يغلّف عقول الناس في فهم قصة غريغوار حداد الحقيقية.

لذلك توخينا من كتابة هذا المقال ان نطرح امام القارئ عناصر تأريخية موضوعية تتناول الظاهرة من بدايتها حتى يومنا هذا، وتحليلاً سوسيولوجياً لشرح هذه الظاهرة في عناصرها وأطرها ووظائفها واهدافها، للوصول، اخيراً، الى استشراف انعكاساتها ومستقبلها.

 

 

مساء الجمعة في الرابع عشر من حزيران الجاري، نقلت "المؤسسة اللبنانية للإرسال" مشهداً غرائبياً. كانت الكاميرا تصوّر والشاشة تنقل جريمة تحصل أمام مبنى "تيلي لوميار". شاب يُدعى كارلوس عبود يتحرش بالمطران غريغوار حداد، ثم يسدّ أمامه الدرب الى المبنى. وحين يحاول المطران التقدم، يصفعه الشاب ويُسقطه أرضاً، وذلك أمام القوى الأمنية التي لم تحرّك ساكناً.

معظم المشاهدين شعروا أن اللطمة موجهة إليهم باستثناء تلك المرأة التي صرخت استحساناً من على شرفة منزلها المواجه: "ليتنا نملك العشرات من أمثالك".

وتوالت مشاهد المستنكرين، ونقلت وسائل الاعلام عشرات البرقيات، وعُقدت اجتماعات، وصدرت بيانات. والمطران حداد، بهدوء منقطع النظير، يغفر للمعتدي عليه، ويكمل الحلقة التلفزيونية الاخيرة بالبوح بما يعني له السيد المسيح.

ويعود الناس الى مشاغلهم وهمومهم اليومية. بعضهم استبطن جرحاً في الذاكرة، سيغور عميقاً في الذاكرة، حتى اللاوعي الذي لا ينام ابداً.

مشهد الاعتداء هذا كانت سبقته مرحلة تحضيرية تضمنت جميع عناصر التوليف للمشهد الدرامي الاخير. فعلى مدى ثمانية اسابيع قبل وقوع الحادث المذكور، كانت محطة "تيلي لوميار" تستضيف، كل نهار جمعة، المطران غريغوار حداد في حلقة تلفزيونية مباشرة، "بلا عنوان"، يحاوره فيها الاب ايلي قنبر طارحاً عليه اسئلة تتعلق بسيرة حياته واعماله ومشاريعه وافكاره وكتاباته. ولم تخلُ الحلقات من اسئلة للمشاهدين، وردات فعل راوحت بين معترض على بعض افكار غريغوار حداد ومرحّب بها، لا بل متحمّس لها.

الى ان ظهرت مجموعة من حوالى اربعين شخصاً من المعترضين على برنامج غريغوار حداد عبر الشاشة الصغيرة، ما لبثت ان وجهت رسالة اعتراضها هذا الى ادارة محطة "تيلي لوميار" مطالبة اياها بأن توقف البرنامج، وأرسلت نسخاً عنها الى البطاركة في لبنان والى السفير البابوي والى مجمع العقيدة والايمان في الفاتيكان. ولما رفضت ادارة "تيلي لوميار" وقف البرنامج، توجه الفريق المعترض الى البطريرك نصر الله بطرس صفير الذي أحالهم على البطريرك غريغوريوس الثالث لحام. لكن هذا الاخير أوكل أمين سره معالجة الامر لأنه كان مسافراً الى اميركا، فطلب امين السر من هؤلاء ان يتحاوروا مع المطران غريغوار حداد لكنهم رفضوا ذلك.

وقبل اسبوع من وقوع حادث الاعتداء حاول اثنان من المجموعة التعرّض للمطران حداد وهو خارج من مبنى التلفزيون بعد انهاء الحلقة ما قبل الاخيرة، لكن حراس المحطة صدّوهما.

ولما صرّح المعترضون انهم سيتعرضون للمطران غريغوار عندما سيأتي في 14 حزيران الى محطة "تيلي لوميار" لاجراء الحلقة الاخيرة من برنامجه، أعلمت ادارة المحطة القوى الامنية بالامر، واخذت الاحتياطات الامنية التي تضمن سلامة المطران حداد. ثم حصل ما حصل.

لن ندخل في بحث مسألة ما يُعزى من تقصير للقوى الامنية في التدخل لحماية المطران حداد حين حضر الى مبنى التلفزيون، فالمسألة في يد القضاء المختص.

لقد سردنا هذه الوقائع لنشير الى امرين، الاول: ان تذرّع بعض الاشخاص بالاختلاف مع افكار المطران حداد اللاهوتية، لا يشكّل اطلاقاً سبباً للتعرض له جسدياً. فلماذا أدى اعلان غريغوار حداد لافكاره، وهي معروفة، الى هذا المسلك العنفي المدان، وفي هذه المرحلة بالذات؟

اما الثاني فهو ان ذروة اعلان المطران غريغوار لافكاره اللاهوتية والروحية التجديدية كانت مع اصدار مجلة "آفاق" في بداية العام 1974 الذي أعقبته احداث مهمة. لكن، لم يحصل اي عنف من اي طرف، فما الذي طرأ اليوم على المجتمع اللبناني المسيحي؟ وما هي، في الاصل، ظاهرة غريغوار حداد؟

 

 

الاعتداء على غريغوار حداد في “الصدى” الإسلامي
يحرّك النقاش حول “التنوير الديني”

نصير الأسعد

جريدة السفير 20 حزيران 2002

     أثار الاعتداء الذي تعرّض له المطران غريغوار حداد الأسبوع الفائت وما زال يثير موجة من الاستنكار التي وعلى الرغم من كونها “حاشدة” فإنها ليست عارمة وشاملة. وبدا للمتتبعين ان التضامن الذي أبداه عديدون، رجال دين كانوا أو سياسيين، كان مشوبا بقدر لا يستهان به من التحفظ: مسيحيا لأن الطرح التنويري التجديدي للمطران حداد يقع خارج “المألوف” أو “المقدس” بنظر الكنيسة والرعايا، وإسلاميا لأن من شأن التعاطف مع طرح من هذا القبيل أن يلزم المؤسسة الدينية الإسلامية بالتعاطي بالمثل مع طروحات الانفتاح في الاجتماع الإسلامي. 

بيد أن الاعتداء على المطران حرّك لدى المرجع الإسلامي السيد محمد حسين فضل الله والعلاّمة محمد حسن الأمين الكثير من “الشجون”، ليس كونهما كل على طريقته مارس “اجتهادا” معينا، بل كون كل منهما تعرض لألوان من “الاعتداء” عليه في فترات معينة، سواء كان الاعتداء منشورا يوزع أو تحريضا سافرا أو محاصرة سياسية أو تكفيرا أو اتهاما بالزندقة الخ.. فمن مثلهما قادر على الإحاطة ب”ظاهرة” غريغوار حداد وسياق تكونها، وعلى تسليط الضوء حول الدور الذي يمكن (ويجب) أن يؤديه عالم الدين، وحول أسباب ما تعرض له حداد في مسيرة بدأت قبل نحو ثلاثة عقود؟ 

فضل الله 

يرى السيد محمد حسين فضل الله ان مثل هذه الممارسات (الاعتداء بالضرب على المطران) “تتحرك في المناخ الذي يسيطر فيه الانفعال على واقع الناس حيث يعيش الواقع أمام أي طرح غير مألوف حالة من السلبية التي تنطلق من فقدان الهدوء الفكري والرحابة والانفتاح على الرأي الآخر والإنسان الاخر”. ويعتبر هذه الممارسات “جزءاً من هذه المنظومة التي تضع المسألة السياسية والمسألة الاجتماعية والمسألة الدينية في دائرة الانفعال الذي يوحي بالتصلب للفكر الذي يلتزمه الشخص هنا أو هناك”. ويضيف ان هناك “ظاهرة التعصب التي أسميها ظاهرة شرقية لا تقبل الآخر ولا تتسع لوجهة النظر الأخرى”، وان ثمة “من يزعمون الحقيقة المطلقة في السياسة (تحت عنوان مصلحة الأمة) وفي الاجتماع وفي الدين، ما يجعلهم يتعاملون مع الفكر الآخر بطريقة الرجم بالكلمات أو اللكمات أو الحجر”. 

ويوضح المرجع الإسلامي السيد فضل الله ان “المسيحية عاشت في تاريخها الكثير من حركية الاجتهاد في مفردات العقيدة فتنوعت المفردات العقيديّة حتى داخل الدائرة الواحدة”، في إشارة من السيد فضل الله الى ان المطران ينهل من سوابق تاريخية. لكنه يسارع الى القول “أتصور أن المسيحية في النطاق الديني وصلت في تنوعاتها المذهبية الى مستوى وقف معه الاجتهاد ولم يعد يفسح في المجال للفكر الديني في الدائرة الرسمية أن يجتهد بما يخالف العقيدة الرسمية المقنّنة”. 

“التنظيم المسيحي” 

من هنا يصل السيد فضل الله الى اعتبار أن “المسيحيين أكثر تشددا من المسلمين في المسألة العقيديّة حيث هناك كثير من التشدد في مفردات اللاهوت المسيحي”، ومما يجدر أخذه في الاعتبار لدى الإشارة الى التشدد ان “هناك في التنظيم المسيحي الديني مواقع رسمية تمثّل في الخط العام العقيدة المسيحية الرسمية التي لا يسمح لأحد داخل الأكليروس بالابتعاد عنها أو إنكار بعض جوانبها”، وهذا ما يؤدي الى ان “يعاقب الشخص الذي يقوم بذلك بالحرم”. ويلاحظ انه “في الواقع الديني الإسلامي الذي لا يخضع لتنظيم تراتبي معين أو لصفات رسمية تنظيمية، تصدر أحكام متحركة من قبل مرجعية هنا أو مرجعية هناك أو غوغائية هنا وغوغائية هناك بكلمات التضليل والتكفير وما الى ذلك مما قد يقود الى تصرفات سلبية في بعض الحالات”. 

على ان المرجع فضل الله، ومن موقع “التجربة”، يعرب عن اقتناعه بأن “رحابة الأفق الديني تفرض داخل الجو الديني أو المؤسسة الدينية إعطاء الحريّة لمناقشة بعض الأفكار بطريقة علمية موضوعية لتأصيل المفاهيم الدينية بإخضاعها للحوار العلمي على قاعدة فكرية لا تترك مجالا لأي شبهة وتتحوط مما قد يتعرض له الفكر الديني من قبل الذين ينكرون الدين في الأساس وينتقدون بعض المفردات لا سيما على مستوى الأصول العقيديّة”. 

ويشرح السيّد وجهة نظره بشكل إضافي فيقول ان في المسألة الدينية “نوعين من الخطوط العقيدية”، الأول “يأخذ موقع البداهة ويمثل مسلمات فكرية واضحة في طبيعتها الدينية”، والثاني “يمثل حالة نظرية تخضع للاجتهاد وتفسح في المجال لأكثر من رأي تثبيتا أو نقدا”. ويرى ان على “القائمين على شؤون العقيدة الدينية أن يفسحوا في المجال لمناقشة هذه الخطوط النظرية في العقيدة في مناخ علمي وعلى أساس موضوعي”. ويعتبر ان “أي نوع من أنواع مصادرة الرأي الديني المرتكز الى أسس علمية، بكلمات الحرم والتكفير سوف لن يخدم القضية الدينية لا سيما في الواقع المعاصر حيث أصبح الفكر كله يعيش في الهواء الطلق من خلال الحركة الفكرية في العالم التي باتت تناقش في كل شيء بما في ذلك المقدسات”. 

العقل والعقيدة 

ويطلق المرجع هنا “صيحة” من واقع تجربته أيضا: “ان إخضاع الفكر الديني للدراسة العلمية الموضوعية هو الذي يحمي هذا الفكر من الخرافة و من كل عناصر التخلف والاهتزاز الداخلي”. وفي ما يشبه ملاقاة الدعوة التي وجهها المطران حداد الى التطور والتجدد، يقول السيد فضل الله ان “على القائمين على شؤون الدين الإسلامي أو الدين المسيحي ان يدرسوا كل التطورات التي أحاطت بالموقف الثقافي للمسألة الدينية لتتطور أساليبنا ووسائلنا”، موضحا ان الإسلام “يؤكد ان العقل هو الأساس في العقيدة وان العقيدة ليست فوق العقل بل تكتسب أصالتها من خلال العقل الذي يجمع داخل منظومته المعادلات الفكرية والعناصر الوجدانية التي تختزنها الفكرة التي تمثل عمق إحساس الإنسان بالحقيقة بشكل تلقائي”. 

ويشدد السيد على ضرورة “أن يأخذ الذين يعتبرون أنفسهم ممثلين للفكر الديني بأسباب الثقافة الدينية على الأسس العلمية في كل جوانب الدين لأننا قد نرى متخصصين في الشريعة لا يملكون التخصص في العقيدة أو المتخصصين في الفقه لا يملكون التخصص في القرآن”. ويؤكد ان “المشكلة ليست في الدين الذي هو كلمة الله العليا والحقيقة الأصلية لكن المشكلة في المتخلفين الذين يفرضون أنفسهم وتخلّفهم على الدين أو الذين ضاقت صدورهم عن فكر الآخر فلم تتسع لأية علامة استفهام”. 

“الأصولية”... و”الاجتهاد” 

ويسارع المرجع الكبير الى القول ان الأصولية بين مزدوجين “تتحرك في دائرتين: عدم الاعتراف بالآخر والعنف وسيلة للتعبير”، ويشير الى ان “العنف الذي قد يحصل في الدائرة الإسلامية بشكل عام، ينطلق من خلال التعصب الطارئ لدى بعض الناس الذين قد يرون أن هذه الفتوى أو الفكرة تمثل هدما للدين وإسقاطا للشريعة بما يجعل القائمين على الشريعة يرجمون هذه الأفكار”. ويلفت الى “اننا كمسلمين نعتقد ان عناصر الإيمان هي التوحيد والنبوة واليوم الآخر فمن أنكر واحدة منها لم يكن مسلما”، ومن هنا فإن “التكفير مسألة ثقافية ونسبية تتعلق بجحود الإنسان بالعناصر الأساسية لهذا الدين أو ذاك لكن كلمة تكفير أصبحت تختزن الكثير من الخلفيات السلبية”. 

ومع ذلك يختم المرجع الإسلامي بتأكيد ان “المؤسسة الدينية الإسلامية بدأت تتقبل الكثير من الفكر الخارج عن المألوف الذي قد يخالف بعض الخطوط الثقافية الإسلامية المتداولة، ونجد جيلا جديدا في الحوزات والجامعات ممن يتقبل هذه الاجتهادات وأتحدث عن الذين يفكرون ويجتهدون حتى لو لم يصلوا الى درجة الاجتهاد”. ويشدد على ان “المؤسسة الدينية الشيعية تمتاز بأنها حرة، فليست هناك سلطة مسؤولة بشكل يطبق على كل الحوزة، بل الحوزة تختزن الكثير من الاختلافات حتى مع المراجع الذين يُرجع إليهم في التقليد، وهذه ميزة هامة”. 

الأمين 

من جهته، يذهب العلامة الكبير السيد محمد حسن الأمين الى أبعاد أخرى إضافية. يبدأ بالقول إن ثمة مستويين “مستوى النص الإلهي الذي نؤمن به ومستوى القراءات التاريخية لهذا النص والإشكالية في الإسلام بدأت عندما انتقلت القداسة من النص الى تفسير النص”. والمشكلة في رأي السيد الأمين ان “المرحلة التي تمت خلالها قراءة النص وولّدت المذاهب والتيارات كانت مبكرة وشكل العصر العباسي مسرحها”. ومن هنا “بدا أن أي تجاوز لهذه القراءات التي حصلت في العصر العباسي، فيه نوع من التجديف والجرأة على المقدس أي ان ما يسمى الزندقة والتجديف والتكفير ليست مصطلحات جديدة في الاجتماع الإسلامي”. ولذلك فإن “كل محاولة لقراءة النص الديني بصورة تختلف عن القراءات السابقة له تشكل بدرجة أو بأخرى مظهرا من مظاهر انتهاك المقدس الديني وتعرّض أصحابها للتكفير أو لدرجات من تهم الانحراف عن الدين أو ما يسمى الثوابت الدينية”. 

ويعرب المجتهد الأمين عن اعتقاده ان “نقص المعرفة الدينية لدى الجمهور يجعله قابلاً لأن يأخذ تفسيرات الدين وتأويلاته من رموز هي نفسها التي باتت تمثل الطبقة الكهنوتية في الإسلام، وكل محاولة لاختراق أفكار أو ثوابت فقهية أو كلامية يقوم بها علماء متنورون تعرضهم لتهم تؤدي في بعض الأحيان الى التكفير”. 

ويوضح العلامة ان الفقه في الإسلام “ليس منزلاً لأنه اجتهاد بشري وإن كان الوحي نصا إلهيا”، ولذلك فإن الفقه “متغير وليس ثابتا. وكل محاولة تجديد للبنية الفقهية بطريقة مختلفة عن المألوف تصبح مظهرا من مظاهر النيل من المقدس الديني بالنسبة الى فئات إما ساذجة تشكو من نقص في معرفة الدين أو فئات محترفة قادرة على ان تعطي لتفسيراتها للدين صفة المقدس”. 

عالم الدين... مفكر 

ويقارب السيد الأمين نقطة رئيسية من وجهة نظره. فبالنسبة اليه ان عالم الدين “إذا كان يعي طبيعة المشاكل والأزمات المسؤولة عن تخلف المجتمع، هو مفكر يبحث ويعمل على إنجاز مهمة التغيير العام سواء في حقله الديني أو في الحقول الأخرى لأن التخلف كل لا يتجزأ”. ويشرح ان “عالم الدين المتنور لا يختلف عن أي مفكر آخر يدعو الى التجاوز لكن المفكر عندما يكون عالما دينيا فإنه سيعمل بالضرورة في حقل بالغ الحساسية هو الدين وسيكون إدراكه للعناصر الدينية المختلفة والمعوّقة لتطور المجتمع إدراكا أعمق وأشمل من إدراك الآخرين لهذا الجانب بالذات”. ويرى انه “من الطبيعي ان يساهم عالم الدين المتنور في مهمة إزالة العوائق أمام التقدم بوصفه عضوا ملتزما في المجتمع، وستكون مهمته تاليا حساسة وخطيرة لأنها ستدفعه الى تناول موضوعات هي في الغالب من الثوابت والمقدسات لإعادة النظر فيها وتجاوزها، الأمر الذي يجعله عرضة وبصورة أكثر شراسة للهجوم ولعوامل التكفير والزندقة والعبث بالدين بأكثر مما يتعرض لذلك المفكرون العاملون في حقول أخرى غير دينية”. 

النظام الطائفي.. والعلمانية 

وإذ يرى العلامة الأمين ان ما سبق يشكل قاسما مشتركا بين جميع العلماء المفكرين المتنورين في المجتمع الإسلامي عموما، يرى من الضروري لفت الأنظار الى مشكلة إضافية في لبنان تتعلق ب”النظام الطائفي”، الأمر الذي “يوجد أعباء إضافية يتحملها عالم الدين في مجال طرحه النظري والفكري والسياسي، هي أعباء ناجمة عن الاعتبارات التي يقوم عليها النظام الطائفي نفسه بما يجعل عالم الدين المتنور أمام مهمة سياسية محرّمة تضاف الى المهام المحرّمة الأخرى وتسهّل عملية التجييش الشعبي والطائفي ضد أفكاره وتأويلاته”. والسبب هو ان هذه الأفكار “في نظر مراكز النفوذ تتجه الى تقويض البنية الطائفية السياسية، ذلك ان هذه البنية التي لا مبرر اجتماعيا وسياسيا لاستمرارها، إنما تستمد أقوى عناصر استمرارها من حماية الدين ورجال الدين لها، والمقصود هنا هو الدين كما يعيه العامة من الناس”. ويلفت الى ان “كل عملية كشف وفضح لهذه البنية ولخلوها من أي مبرر ديني، تغدو مؤهلة لأن تتهم بالخروج عن الدين ولأن تحارب بصورة شرسة علما ان هذه المحاربة ليست صادرة عن عاطفة دينية حقيقية لكنها تتوسل الشكل الديني كي تحافظ على هذه البنية السياسية ومصالح القيمين عليها”. 

وعما تقدم، يعطي السيد الأمين مثالا محددا. يقول ان بعض علماء الدين “يرون ان هذا النظام اللبناني هو في واقعه نظام علماني ولكنه في الوقت نفسه نظام طائفي أي ان عنصر القوة في النظام العلماني يتعرض للإفراغ من المحتوى عن طريق الجانب الطائفي”. لذلك “رأى البعض (من علماء الدين) انه إذا كان لبنان لا يصلح لأن يكون دولة ذات نظام ديني فلماذا لا نسعى من أجل ان تكون هذه الدولة علمانية بالكامل”. ويوضح انه “لا يوجد في هذه النظرية ما يسوّغ اعتبارها تجديفا على الدين لكن مع ذلك فإن التعبئة القائمة على استغلال الجهل الديني لدى المواطنين مسلمين ومسيحيين تذهب الى مواجهة هذه الرؤية باسم الدين نفسه وتعتبرها دعوة الى التخلي عن الدين في حين انها دعوة الى التخلي عن نظام الاجتماع الطائفي”. 

حداد.. والمجتمع المدني 

ويتطرق الى ما حصل للمطران حداد “الذي اتهم من قبل المعتدين عليه بأنه علماني وهذا من أغرب الأمور”. فيرى السيد ان “الذين تسوءهم علمانية المطران حداد لا يعرفون ان القانون في لبنان قانون وضعي أي علماني ولا يريد المطران سوى ان يزيل العوائق التي تحول دون تفعيل النظام العلماني”. بكلام آخر ان المطران حداد “لا يخترع علمانية النظام ولا يقترحها، هو فقط يدعو الى إصلاحها والى إزالة المعوقات التي تحول دون فاعلية هذه الصيغة العلمانية والتي فقدت فاعليتها بسبب تقييدها بالطائفية السياسية”. 

والى ذلك، فإن المطران يرى ان “مسار التطور في عصورنا مرتبط بصورة عضوية بقيام المجتمع المدني”. ويشير الى ان “هذا ما يلتقي المسلمون المصلحون مع هذا الكاهن المسيحي عليه حيث بدأ إدراك أهمية تنشيط مؤسسات المجتمع المدني في الاجتماع الإسلامي والتماس القواعد الفقهية والأدلة الدينية على أهمية قيام مجتمع مدني إسلامي”. ويلفت الى ان “دعاة قيام المجتمع المدني الإسلامي لا يصطدمون بالنص الديني بل بالقيادة الأصولية التي كادت ان تحصر عملية الانبعاث الإسلامي وعودة الإسلام الى الحياة بفكرة إقامة الدولة الإسلامية أي النظام الإسلامي الذي ينتهي بالقبض على مقاليد السلطة”. ويشدد على ان “أصحاب هذه النزعة الأصولية وليس النص الديني، هم الذين يواجهون بعنف أحيانا فكرة التركيز على المجتمع المدني، وهؤلاء هم الذين حملوا سيف التكفير ضد النظرية القائلة إن الإسلام ليس بالضرورة دينا ودولة معا، وان الإسلام دين بالدرجة الأساسية وأما الدولة فهي شيء آخر طارئ”، علما انه “لا يوجد في النصوص الدينية (الوحي أو أقوال الرسول) ما يدعم القول ان الإسلام هو في الوقت نفسه دولة”. 

ويستنتج العلامة والمجتهد الكبير السيد الأمين ان “مأساة التنويريين الإسلاميين هي إيمانهم بالتطور والتجاوز وممارسة حقهم في القراءة التاريخية والمتجددة والمتنوعة للنص الديني أمام تيارات تحتكر لنفسها مهمة تفسير هذا النص”. 

ويعتبر ان “مهمة المصلحين التنويريين لم تكن ولا مرة منفصلة عن المهمة العامة والشاملة للتغيير والنهوض على المستويات السياسية والاجتماعية والتنموية”، ويسجل ان “الحركات الدينية التنويرية تنمو بصورة أفضل في ظل حركات الدعوة الى التقدم والتجدد إن لم نقل ان الكثير من حركات التجدد والتقدم يستند الى فكر ديني تنويري أساسا”. 

ويختم العلامة الأمين بأن “هناك ما يشبه الأصوليات عند الطوائف كلها”، وان “تسمية المعتدين على المطران حداد بأنهم يمثلون اتجاهات أصولية مسيحية فيها وجه من الصحة”. ويقول “ان مظهر الأصولية المسيحية في بلد كلبنان، يتناغم بصورة واضحة مع مظاهر أخرى في الطوائف الإسلامية وتبدو هذه الأصوليات المتناحرة ذات هدف مشترك هو إبقاء لبنان في حالة اصطفاف طائفي ومنعه من التطور الى مرحلة الدولة والمواطنة”. ويضيف “أشتمّ هذا المعنى من دون أن أسميه مؤامرة، معنى منع الانتقال من دولة الطوائف الى الدولة العصرية والحديثة والمواطنة والخروج من نفق الطائفية كنظام للاجتماع في لبنان”. 

من الواضح مما تقدم أن لأفكار المطران غريغوار حداد صدى في الدائرة الإسلامية، وان دعوته الى التجديد في الكنيسة والإسلام تلاقيها مرجعيات إسلامية بالترحيب... لا بل ان ثمة في هذه الدائرة من “يشبه” المطران حداد وإن كانت التعقيدات التي تواجه المحدّثين ليست نفسها مسيحيا وإسلاميا. 

وما تحدث عنه المرجع السيد فضل الله والعلامة المجتهد السيد الأمين فيه تقاطعات على مستوى تحبيذ التجديد والتطور وعلى مستوى الحديث عن حرية تفسير النص الديني بالعلاقة مع التطورات. ومع ان الحديث معهما لم يكن شاملا بحيث يمكن التعرف الى مروحة أوسع من التقاطعات أو الاختلافات، فإن تركيز السيد فضل الله على النطاق الديني في مقابل ذهاب السيد الأمين الى الإطار الاجتماعي السياسي “المباشر” بشكل أكبر، من شأنهما ان يجعلا “حركة” المطران حداد لا تبدو منعزلة... طالما ان المشترك بين الثلاثة (بصرف النظر عمن يشبهه أكثر من بينهما) هو البعد التقدمي لدور “المصلحين” أو “المحدثين” من رجال الدين، في الاجتماع والسياسة. ولم يكن الهدف من هذه الوقفة، إلا إظهار ان “الصدى” موجود فعلا، وسيشكل حاجة ماسة في المقبل من الأيام.

 

 

رؤساء
 الجمهورية اللبنانية

فخامة الرئيس شارل دباس
President Charles Debbas

فخامة الرئيس بشارة الخوري
President Bechara El Khoury

فخامة الرئيس فؤاد شهاب
President Fouad Chehab

فخامة الرئيس كميل شمعون
President Camille Chamoun

فخامة الرئيس شارل الحلو
President Charles El Helou

فخامة الرئيس سليمان فرنجية
President Suleiman Frangieh

فخامة الرئيس الياس سركيس
President Elias Sarkis

فخامة الرئيس بشير الجميل
President Bachir el-Gemayel

فخامة الرئيس أمين الجميل
President Amine el-Gemayel

فخامة الرئيس رينيه معوض
President René Moawad

فخامة الرئيس الياس الهراوي
President Elias Hrawi

فخامة الرئيس اميل لحود
President Émile Lahoud

 

رؤساء
مجلس النواب

دولة الرئيس صبري حمادة
Sabri Hmede

دولة الرئيس كامل الأسعد
Kamel Alassad

دولة الرئيس حسين الحسيني
Hussein El-Husseini

دولة الرئيس نبيه بري
Nabih Berri

 

زعماء
مــن لبــنان

الزعيم كمال بيك جمبلاط

المير مجيد ارسلان

الجنرال ميشال سليمان

العميد ريمون اده

الشيخ وديع الخازن

الوزيرة ليلى الصلح حمادة

الدكتور سمير جعجع

وليد بك جنبلاط

الوزير محمد الصفدي

اللواء عباس ابراهيم

 

رجــال
ديـــن

البطريرك مار نصر الله بطرس صفير

المطران غريغوار حداد

بطريرك الأرمن آرام الأول كيشيشيان

الامام موسى الصدر

المفتي محمد رشيد قباني

البطريرك غريغوريوس الثالث لحام

المفتي حسن خالد

السيد حسن نصرالله

 

 

لمراسلتنا
Contact us

 

 

  Home        Top

 

جميع الحقوق محفوظة
إن موقع عظماء لبنان وما يتفرّع منه يحذّر من نشر أي مادة أو نسخها أو تعديلها
بدون موافقتنا تحت طائلة المسؤولية الجزائية